مبكية .. صادمة .. ومرعبة .. ومقلقة حتى الفزع المدوي .. تلك الجريمة الشنعاء التي ذهب ضحيتها ثلاثة أطفال أشقاء ومرافقهم، وإصابة آخرين بجراح .. في مجزرة هزت النفس من أقطارها، وفجرت في القلب تباريح الالم .
فالجريمة " المجزرة " ليست سوى ثمرة مرة لغراس الديمقراطية المدججة بالرصاص والمنفلته من كل ضابط او قانون، يردع المعتدين ويلجم شهوة القتل لدى المنفلتين ..
وهي ديمقراطية لا تليق بأولئك الذين اتخذوا حتى من دماء الأطفال وسيلةً لبلوغ أهدافهم الشريرة ، بإذكاء نار الحقد الأعمى في النفوس, وإشاعة أجواء الإنقسام والتشظي بين ابناء الوطن الواحد الذين لا وطن لهم سواه ، توطئةً لفوضى عارمة يستنسخ فيها النموذج العراقي حيث تحفر فيه الخنادق ويتكرس فيه الفرز الفصائلي والعشائري، وتجيش فيه الجيوش ، لتتقاطع بعدها السيوف بين من تقاسموا الرصاصة والقذيفة، ورغيف الخبز، وشربة الماء، عندما كانت بيوتهم ممددة تحت قصف الطائرات وجنازير الدبابات تحصد أرواح الأبرياء شيوخاً وأطفالاً ونساء ..
إن الجريمة "المجزرة" التي إرتكبت في وضح النهار تحمل هوية مرتكبيها، من حيث اختيارهم لساحتها وسط مدينة تضج بالحركة،وفي مكان ليس بعيدا عن مقار امنية، اضافة الى حجم القوة المستخدمة فيها والتي بلغ تعدادها اربع سيارات مجهزة حسب شهود عيان عوضا عن جرأة القتلة على إرتكاب فعلتهم ، وقدرتهم على الإختفاء السريع بعدها .
وما من شك ان مرتكبي تلك الجريمة بكل هذه البشاعة والقسوة انما يسعون الى استثمار الاحتقان والسجال الدائر بين الفصيلين الرئيسيين الذي بلغ ذروة تنتظر صاعق التفجير بممارسة فعل يجعل الدم يغلي في الرؤوس ويستدرج ردود فعل سريعة مساوية له في المقدار ومعاكسة له في الإتجاه .. يمارسونه وهم معصوبو الاعين من هول الجريمة لتبدأ بعدها ودون توقف متوالية الدم بين الاخوة .. وهي رغبة طالما صاغت فكر وسلوك أولئك الذين يتربصون بالوطن أرضاً وشعباً ..ويفركون اصابعهم بانتظار تلك اللحظة التي يدخل فيها الجميع فصائل وعشائر في جحيم فتنة تجعل الأرض يبابا وتقوض وإلى الأبد حلم المشروع الوطني الذي قدمت من أجله التضحيات الجسام .
ونحسب إن اطلاق التهم هنا وهناك بدون الإستناد إلى حيثيات وأدلة دامغة إنما يصب في ذات الأهداف التي يسعى مرتكبو المجزرة لتحقيقها الأمر الذي يتطلب التفكير برؤوس باردة والعمل على اجراء تحقيق موحد من الداخلية، والأجهزة التابعة للرئاسة لإقتفاء آثار المجرمين والقبض عليهم وتقديمهم للقضاء وانزال القصاص بهم .
ولعل الإنجاز الذي حققته الداخلية قبل يوم واحد من وقوع الجريمة بالقاء القبض على مطلقي النار على موكب وزير الداخلية بعد ساعات من وقوع العملية يعزز الإعتقاد لدى المراقبين بقدرتها على تتبع آثار مرتكبي مجزرة الأطفال .. وهي مهمة تشكل تحدياً لعناصرها مثلما تشكل تحدياً للأجهزة التابعة للرئاسة في وضع حد لحالة الإنفلات التي باتت تهدد السلم الأهلي والمجتمعي، وتضع المشروع الوطني برمته في مهب الريح ..
وأمام هول الجريمة " المجزرة " التي سفكت فيها دماء العصافير البريئة أسامة .. أحمد .. سلام ،حتى سالت دماؤهم على كراريس كتبهم وساندويشاتهم التي حضرتها لهم أمهم الثكلى صباح يوم الجريمة .. نذرف دمعتين .. ووردة !!
المحرر السياسي لوكالة معا