الرد على الأشعرية ومن ذهب مذهبهم في صفات الباري سبحانه (1)
العلامة أبو يعقوب يوسف إبراهيم الوارجلاني
اعلم يا أخي أعزك الله وأرشدك ، ووفقك وأيدك أنك ذكرت ما جرى لبعضهم مع بعض أهل الأدب من الأشعرية في خلق القرآن وأمر الصفات صفات الباري سبحانه وأسمائه الحسنى ، وكتبت تسألني شرح ذلك وصادفني كتابك وأنا مشغول البال مختل الحال بمرض العيال ، وهو السبب الذي أوجب تأخير الجواب إلى هذا الأوان ، لاسيما الكلام في هذه المسائل مخطر بأمرين أحدهما : التعرض للقدح في ذات الباري سبحانه وصفاته العليا وأسمائه الحسنى من غير ما حاجة ضرورية دافعة ، إذ يتعذر كنه جلال الله سبحانه أن تقع الأوهام على حقيقته ، فكيف تنطق الألسنة فتنطلق وتسعى وتعيق ، لولا ما سومحنا فيه من ذكره بأسمائه التي نص عليها وبصفاته التي نص عليها ، وقد يستسمح الناس على قلة أخطارهم من الأبناء والعبيد والعوام والنديد ذكر الآباء والكبراء والسادة والأكفاء مشافهة بأسمائهم ، لكن كناية : يا أبتي إذا كان أباه ، ومن العبيد يا مولاي إذا كان مولاه ، ومن الكفو يا أخي ، ومن العامة يا سيدي ، فكيف بمن ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وجل عن أن يشبهه شيء ، أن تبوح الألسن بذكره ، أو تتعرض لشكره فتنطق وتقول بلسان حال وقلب خال : يا الله يا رحمن يا رحيم . هكذا باسمه لا كناية لولا الرؤوف الرحيم الغني الكريم .
الثاني : أن هذه المسائل قليلة الجدوى في ما يتعلق بالبلوى ، إذ لا تؤثر في العبادات ولا تنفع في ترك الحرمات ، وقد يحصل ذكر الله – عز وجل – في القلوب التي هي موقع نظر الباري سبحانه بأقل الخطوات ، وتخرس الألسن عند ذكره عند من أشرف على الملكوت والجبروت دون التفيهق والتشدق من هذا الوجه الخطر العظيم الضرر ، فكأنما الخائض فيما لا يعني وشارع فيما لا يغني ، وإذا لم تعفني من السؤال ولابد من الشروع في المقال فإني أقول ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم الكبير المتعال .
اعلم أن الأشعرية (2) قد اختلفنا معهم في عشرة مواطن :-
أولها : أنا قلنا الباري سبحانه يوصف بالعلم والقدرة والإرادة وسائر الصفات التي يوصف بها . فقالوا : إنها معاني وليست بصفات . فالعلم عندنا صفة وعندهم معنى لا صفة ، والقدرة عندنا صفة وهي عندهم معنى ليست بصفة ، وكذلك الإرادة وسائر الصفات ليست بصفات ولكنها معاني .فالصفة عندهم هي الوصف .
والثاني : أنهم أطلقوا على هذه المعاني التي ذكروها أنها أغيار لله تعالى ، فأوجبوا التغاير بينها البين .
والثالث : أنهم أثبتوها معاني غير الله وهي قديمة . ونحن نقول : ليس هناك معنى غير الله ولا قديم مع الله .
والرابع : أن بمقتضى هذه المعاني كان الله موصوفا بها : فبالعلم كان عالما ، وبالقدرة كان قادرا ، وبالإرادة كان مريدا ، وعلم بعلم ، وقدر بقدرة ، وأراد بإرادة ، وحيي بحياة ، وقدم بقدم .
والخامس : أن هذه المعاني التي وصفوه بها معان قائمة بالذات ذات الباري سبحانه .
والسادس : أنهم وصفوه بالوجه واليدين والرأس والعينين والجنب والجلسة واليمين والقبضة والساق والقدم والاستواء والميل وخرق الحجب وركوب الحمار والأقمر وأنه النور الأنوار .
والسابع : أن الكلام من المعاني التي وصفوه بها وهو قائم بذاته ولم يزل به .
والثامن : أن الأمر والنهي والمندرجين في الكلام من المعاني التي وصفوه بها وقائمان بذاته ولم يزل كذلك ، وتعالى الله عن ذلك .
والتاسع : أن القرآن وسائر الكتب المنزلة من الله من المعاني التي يوصف بها في ذاته لم يزل بذلك سبحانه .
والعاشر : أن العدل والإحسان والفضل والمن والإنعام صفاته ، ولكنها أفعاله محدثة
ولابد من مقدمات تكون بين يدي هذه المسائل إما وصلا بين المتناظرين أو عدلا وفصلا بين المختلفين .
أحدها : أن يقع الاتفاق على أن الباري سبحانه لم يفرد نفسه بلغة غير لغتنا التي استعملناها بيننا .
والثاني : ألا يطلق على الباري سبحانه ما لم يأذن به الشرع ، أو معنى يحيله العقل ، لاتفاقنا نحن وهم على أن الله – عز وجل – ليس كمثله شيء وهو السميع البصير .
والثالث : مراعاة اللسان التي يقع بها التناظر والتحاور بين الفريقين ، ويق بها البيان بين المختلفين . ومع الثلاثة أخرى :
أحدها : أن يتضح المعنى الذي أراده المتناظران ، فيحصل حدا أو رسما ، لئلا يصيرا كالأحولين .
الثاني : أن يستند قول الحق منها إلى البرهان الصحيح حقيقة وتبيانا ، فيحصل علما ضروريا أو عقليا أو شرعيا أو لغويا .
والثالث : الإقرار بالحق إذا ظهر ، والإذعان له إذا بهر ، والاتنصار إذا كفر من جميع من حضر .
اعلم أن الأشعرية بنت مذاهبها في الباري سبحانه وصفاته وأسمائه وتشبيهه بخلقه على الهروب من الواضح إلى المشكل ، وعولت بعد العثار على الاعتذار ، وأني لهم به بعد الانتصار ؟ وتعرضوا للبلاء وهم عنه أغنياء فلن يرضى بهذا عاقل ولن يخفى على جاهل ، وقد قال الأول : (( إياك وما يعتذر منه )) . كل الوجوه ، وأقررنا بالوحدانية لا شريك له .
فأول ما غلطوا فيه أن أفسدوا على العرب لسانهم ، وغيروا عليهم لغتهم ، وقالوا : إن الصفة هي الوصف والعدة هي الوعد والزنة هي الوزن والسمة هي الوسم والعظة هي الوعظ . وقد فرق أهل اللسان بينهما . وأوجبوا الصفة للموصوف والوصف للواصف ، والعدة للموعود والوعد للواعد ، في أمثالها . واعتذروا بأن قالوا : إن النجاة قد أجازوا ذلك . قلنا لهم : مجازا لا حقيقة ، وإنما نحن في الحقائق.
والعجب منهم أنهم يأتون أمرا لم ينفعهم ولم يضر غيرهم .
وكذلك العدة هي العطية الموعودة ، والوعد فعل الواعد ، والعظة صفة الموعوظ ، والوعظ فعل الواعظ ، والسمة أثر في الوجه والواسم الفاعل والوسم فعله .
( الثانية ) : أنهم نفوا عنه السواد والبياض والألوان بأسرها ، والأحوال بجميعها ، والصنائع العلمية ، والحياء والحياة والعلم والقدرة والإرادة والرضى والسخط وأمثالها أن تكون صفات ، لكنها معان ليست بصفات ، فهربوا من الواضح المعهود إلى المشكل المردود ، فما حاجتهم في أن جعلوا لله معاني في قول من جعل الصفات السبع بمجموعها هي الألوهية ، في قول من أثبت الذات وركب فيها المعاني السبعة وأثبتها هي الألوهية ، جمعوا بين فساد اللغة وفساد الألوهية ، وخافوا أن يتوهم عليهم وحدانية الباري سبحانه ، وقالوا : إن هذه المعاني أغيار لله – عز وجل – وأغيار بينها البين .
قلنا لهم : وهل تجوز أن تكون أغيار لم تزل ؟
قالوا : إنها قديمة . فارتبكوا .
وقلنا لهم : يا سبحان الله ، فالقديم قديم ، فلابد للغيرية من العدد والشركة والتباين ، فلما نظروا إلى قولهم الفاحش تكعكعوا ، وما يغني عنهم وقد جعلوا له من عباده جزءا ، إن الإنسان لكفور مبين ، فتفرقت بنا وبهم السبل ، فحصلوا في الكثرة بعد الوحدانية ، وحصلنا في الوحدة ، من وراء هذا أن أظهروا افتقار الباري سبحانه إلى هذه المعاني التي ذكروها من العلم والقدرة والإرادة .
وقالوا : بالعلم علم ، ولولا علمه لم يكن عالما ، ولولا قدرته لم يكن قادرا ، ولولا إرادته لم يكن مريدا . وأظهروا افتقاره إلى هذه المعاني تعالى الله ، وسلبوها عن ذاته وجعلوها محتاجة إلى الغير .
ولما نظروا إلى العلم لا يوصف بالقدرة ولا بالإرادة ولا بالحياة ، والقدرة كذلك لا توصف بالعلم والإرادة ، تكعكعوا ورجعوا إلى الذات . وقالوا : لابد لها من المعاني المذكورة من الحياة والقدرة والعلم والإرادة ، ولابد لهذه المعاني من ذات تقوم بها هذه المعاني بمجموعها ، ومجموعها هو الإله . فضاهوا بقولهم قول الذين كفروا من قبل ، قاتلهم الله أنى يؤفكون ، وهو قول أهل الهيلى والصورة ، وجاوزوهم إلى الثنوية ( 1 ) ، ثم إلى أصحاب ثالث ثلاثة أصحاب الأقاليم ، بل إلى أصحاب الطبائع الأربع
أصحاب الاسطقسات من الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ، بل إلى الخرمية الذين قالوا بالأس بل إلى أصحاب العدد الكامل أهل التسديس ، فجاوزوهم إلى التسبيع والتثمين ، ولم يبلغوا التسيع إلا الاثنى عشر ، وهذا تنبيه على ما قلنا أولا من الإشارة إنهم يهربون إلى المشكل ، من غير ما ضرورة دافعة وربهم أغنى بأن يجعلوه عضين كالمشركين في القرآن .
ثم إنا سألناهم عن هذه المعاني التي أوجبوها قديمة مع الباري سبحانه أين هي ؟
فقالوا : قائمة بالذات . فضاهوا بقولهم قول المحقين في الأعراض : أنها حالة في الجسد .
وقالوا هم : إن المعاني قائمة بالذات . فلو جعلوا الأعراض قائمة بالجسم والمعاني التي ذكروها حالة في ذات الباري سبحانه لما زادوا ، فالمعنى الموجود في الأجسام صراحا نحلوه ذات الباري سبحانه برحا ، ولبسوا على أنفسهم حين خالفوا بين الألفاظ فما يتحاشون مما يأتون به من لا شيء ، أولا يرون أن الحي منا حي والباري سبحانه حي .
وقد قدمنا أن اللغة واحدة ، والقائمة حالة والحالة قائمة .
وقد قدمنا أن الباري سبحانه لم يفرد نفسه بلغة غير لغتنا التي نتخاطب بها .
وللباري علم ولنا علم ، وله قدرة ولنا قدرة ، وله إرادة ولنا إرادة ، وله قيام المعاني ولنا حلول الأعراض . يا سبحان الله . ولو عكسوا فما عدا , فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا .
وأما مذهبهم في التشبيه والجوارح فعلى وجهين : أما من ذهب به مذهب الجوارح فلا يخاطب ولا يعاتب ، فإن أنفذهم قد ترأرأ ببصره نحو الإله فانعكس بصره إلى جسده فلمحه ، فخاله إلهه ، فكبر وعظم ، وصلى وسلم وقال : الحمد لله الأكرم ، ذي الآلاء والنعم ، والوجه والقدم ، واليد والعظم ، والعين والفم ، والجوارح كلها الجم ، والنون والقلم ، وما أدراك ما نون والقلم وما يسطرون . فاستجاب له العميان من جميع البلدان وصدقوا قولته وأجابوا دعوته . ( شعر )
فلم يبق إلا أن يقول أنا الرب = إلى الكعبة البيت الحرام ولا ريب
فإني رسول فاستجيبوا لربكم =فإن أنتم لم تؤمنوا فأنا الرب
1
2 فلـم يبـق إلا أن يقـول أنـا iiالــرب إلى الكعبة البيت الحرام ولا ريب
فإنـي رسـول فاستجيبـوا iiلربكـم فـإن أنتـم لـم تؤمنـوا فأنـا iiالــرب
فأقرب من ذلك موقعا أن يختلف معهم في الأسواق ولا يعرفونه ، وتضمه معهم المساجد والمجالس ولا يثبتونه . ويقول : أنا ربكم الأعلى . ولا ينكرون ، بشرط أن يكون وسيما جميلا جليلا ، ولا قبيحا ولا ذميما ، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا ، وهؤلاء قوم فرحوا بما عندهم من العلم ، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون .
وأما من امتنع منهم من إجرائها على المعاني التي تعرف : من الوجه أنه الجاه ، ومن القدم بما قدم لها من الشقوة ، ومن اليد أنه النعمة والقوة ، ومن المعصم ما يعتصمون به ، ومن العين العلم تجري بأعيننا ، ومن الفم الكلام ، وفي أمثال ، هذه معروفة عند العرب أنها الجارحة وثمرة الجارحة كما يعقلها العرب ، فلحبو طريقا وسطا بين الخيال والوبال ، فامتنعوا من الجوارح ، وامتنعوا من اللغة .
قلنا لهم : أتعرفونها ؟
قالوا : لا ، إلا أنها صفة الله .
وقد صدق القائل : قد يتكلم المجنون بما يعجز عنه العاقل . فهؤلاء مذبذبون بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، شرعوا الجهل دينا ورأوة دينا ، ومالوا عن الحق بونا ، وأصابوا حينا ومينا .
وأما مذهبهم في الكلام في الأمر والنهي والقرآن ، فهو الذي جر عليهم حبنهم ( 2 ) ، فأظهر الرب شينهم ، فأصبحوا مثل النصارى بينهم .
وأما ذنبهم الذي أوردهم جميع المهالك وسيئاتهم التي أحاطت بهم من أجلها خطيئاتهم حين غلطوا في القرآن ، فنفوا عنه الخلق وأثبتوه معنى غير الله يوصف به الباري سبحانه ، وفعثروا عثرة لا إقالة لهم بعد العثور .
ثم من بعد العثور وقعوا في قولهم : إن الأمر والنهي معنيان يوصف بهما الباري سبحانه ولم يزل بهما ، قائمين بذاته . فوقعوا وقعة لا انجبار لهم منها .
ثم من بعد الوقوع لغطوا في قولهم : إن سائر الكلام معنى يوصف به الباري سبحانه ، قائم بذاته فسقطوا سقطة تعسوا فيها اليدين والفم .
ثم من بعد السقوط انزلقوا في قولهم : إن سائر الصفات من العلم والقدرة والإرادة وسائر الصفات ، أنها معان غير الله وهي متغايرة بينها البين . فانزلقوا زلقة وصادفوا بئرا لا قعر لها ، تهوي بهم الريح في مكان سحيق . ثم من بعد الانزلاق التجأوا إلى جرف هار في قولهم بعد الصفات في الذات إنها مرئية
بالأبصار ، محدودة بالأقطار ، موصوفة بالوجه والعينين والرأس واليدين والساق والرجلين والقدم والركبتين والجنب والإصبع في سائر الصفات صفات البشر فانهار بهم في نار جهنم . فهو آخر العهد بهم.
وقد صدق الله – عز وجل – في قوله : ( بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) هذا مثلهم في القرآن ولله المثل الأعلى .
ومثلهم في التوراة والإنجيل : عن اليهود تقول لهم : قبحا لكم وسحقا . والنصارى تقول : مرحبا وأهلا ، وأقذر بقوم تأففت منهم اليهود واستقذرتهم ، واستبدت بهم النصارى وأحبتهم .
والمعذرة إلى الله – عز وجل – وإلى المسلمين أن لا يأخذ علينا أحد في تمثيل كل فرقة منهم بما يليق بهم ، ونسبنا إلى الهجو والفحش من الكلام ، ولنا في كتاب الله – عز وجل – أسوة حسنة ، قال الله تعالى في بنعام بن باعورى إمام العور وقائد البور : ( فمثله كمثل الكلب ) إلى قوله : ( فأولئك هم الخاسرون ) .
وقال في اليهود عليهم لعنة الله : ( كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين ) .
وفي المنافقين . ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون ) إلى قوله : ( إن الله على كل شيء قدير ) وقال : ( مثل الذين اتخذوا من دون الله ) إلى قوله : ( لو كانوا يعلمون ) وقال : ( مثل الذين كفروا بربهم وأعمالهم كسراب بقيعة ) إلى قوله : ( فما له من نور ) . والحمد لله رب العالمين
منقول من موقع كوكب المعرفة